إعلانات وتعميمات

الإتحاد من أجل الجمهورية يطلق الموقع الإلكتروني الخاص باللجنة الوطنية للنساء. رابط الموقع : WWW.CNFUPR.ORG

للمتابعة ...
عناوين الاخبار
  • بلاغ لاجتماع المكتب التنفيذي
  • رئيس الحزب يستقبل سعادة السفير الفلسطيني لدى بلادنا
  • فعاليات المؤتمر الصحفي الخاص برئيس الجمهورية
  • رئيس الحزب يستقبل سعادة السفير الصيني الجديد في بلادنا
  • أمانة حماية المستهلك بالحزب تنظم ندوة علمية (مرفق بصور)
  • في اليوم العالمي لحماية المستهلك الأمانة المكلفة تصدر بيانا
  • إعلان إطلاق الموقع الخاص باللجنة الوطنية لنساء الحزب
  • المفكر المصري أحمد المسلماني يشيد بدور رئيس الجمهورية
  • تهنئة الحزب بعد مصادقة الجمعية الوطنية على تعديلات الدستور
  • الجمعية الوطنية تصادق على قانون التعديلات الدستورية
  • الجمعية : تصوت برفض مقترحين تقدمت بهما النائب المعلومة
  • اللجنة الوطنية للنساء تخلد العيد الدولي للمرأة
  • اكتمال المداخلات بمرافعة تلخص موقف الداعمين للتعديلات
  • اللجنة الوطنية للنساء تطلق موقعها الإلكتروني
  • الأغلبية : المعارضة فاتتها فرصة المشاركة في خدمة الوطن
  • برلماني : المقاطعون يسيرون على خطى أعداء جيل التأسيس
الشعر والسياسة و«الأتاي».. ثالوث العشق الموريتاني

ttjj-620x294

تزخر الحياة في موريتانيا بظواهر متعددة، تتداخل وتتفاعل لتشكل مجتمعا متكاملا يجمع بين التنوع والانسجام، رغم طبقيته المتجذرة وتباين فئاته وتعدد آرائه ورؤاه. ومع التفاوت الكبير في المستويات المعيشية بين فئة قليلة مترفة ماديا وأغلبية عظمى لا تكاد تقيم أودها من محدودية الدخل أو انعدامه، إلا إن هناك نوعا من «التكافؤ» النفسي والمعنوي بين الفئتين،

حيث ان حظ المترفين من الثقافة والمعرفة غالبا ما يكون عند خط الفقر أو دونه، بينما تتمتع الفئات المغبونة والمحرومة ماديا بمستويات عالية من الثقافة إلى حد «البذخ» أو الترف المعرفي، إذ تمثل هذه الشرائح ـ إجمالا ـ البيئة الثقافية المشتغلة والمنشغلة بالمعرفة والثقافة والتعمق في إشكالاتها وقضاياها المختلفة، دراسة وبحثا.

عبد الله إسحاق:

ويمثل الشعر والسياسة و«الأتاي» (الشاي الأخضر حسب تسميته المحلية ونكهته الموريتانية الخاصة)، ابرز وجوه وخصائص الحياة العامة في موريتانيا، بجوانبها الثقافية والاجتماعية وانعكاساتها الاقتصادية والسياسية.

فالشعر هو لسان حال الجميع المعبر عن آرائهم وتطلعاتهم، تلميحا أو تصريحا، وهو المجال الأوسع لانتقاداتهم السياسية ومواعظهم الدينية وميدان معاركهم الجدلية وسلاحها الأبرز، كما هو وسيلة تندرهم وسخريتهم من أي وضع أو مظهر مرفوض أو غير لائق في نظرهم،

وهو المنبر الأكثر جاذبية ومتابعة في الحملات الانتخابية والمفاخرات القبلية وأداة التواصل والتسلية بين الأصدقاء، فضلا عن دوره التعليمي الذي ميز «بلاد شنقيط» عبر التاريخ، إلى جانب كونه وسيلة تكسّب عند البعض، مدحا أو هجاء.

وتشكل السياسة، بالمفهوم العام، الشغل الشاغل للجميع وخاصة من لا شغل لديهم، وهم كثر، حتى أن البعض حول مقولة «بلد المليون شاعر» إلى مقولة «بلد المليون سياسي»، تندرا أو تضايقا من الانهماك المفرط في الحديث عن السياسة والسياسيين الذي لا يتوقف عند الحدود المحلية وإنما يتجاوزها إلى ما هو إقليمي ودولي، في سجالات ومناقشات لا تنتهي وفي الغالب لا تصل إلى نتيجة.

وقد انطلقت هذه السجالات من عقالها إلى ابعد بكثير مما كان مسموحا به في السابق، منذ تغيير الثالث من أغسطس 2005 الذي أنهى إحدى وعشرين سنة من حكم الرئيس السابق معاوية ولد الطايع وما اتسم به من السيطرة والتحكم في مقدرات الدولة والشعب، والهيمنة الكاملة على الحياة العامة بجوانبها المختلفة.

غير أن المطارحات الشعرية والنقاشات السياسية واللقاءات العائلية أو الإخوانية وغيرها، لا تستقيم ولا تلتئم إلا حول فناجين (كؤوس) الشاي الأخضر المنعنع غالبا، فهو لحمة كل اللقاءات والاجتماعات و«الركن الأساسي» الذي بدونه «يبطل» اللقاء عرفا، ولا كفارة لبطلانه إلا بإقامته!

في هذه الجولة البانورامية المجملة، نحاول إلقاء الضوء على بعض جوانب هذا «الموزاييك» الموريتاني، الغني بتنوعه الثقافي وموارده البشرية والطبيعية، الفقير في سياساته وإدارته وما يحصل عليه اغلب السكان فيه من دخل ومردود مادي لجهودهم وما تحفل به أرضهم من ثروات فوق السطح أو على بعد أمتار من التنقيب والاستخراج!

ونبدأ بالجانب الثقافي العام، والشعري خاصة، باعتبار أن الشعر هو «الخيمة» الحاضنة لتفاعلات الحياة الثقافية في موريتانيا والتربة الخصبة لاستنبات وإنبات الأفكار والمفاهيم السياسية والاجتماعية، كما أنه المرآة العاكسة لنموها وتطورها.

«طغيان» الشعر

ارتبط الموريتانيون بالشعر إنتاجا وحفظا منذ أزمنة بعيدة، حتى اشتهرت بلادهم بأنها «بلد المليون شاعر«، مع ما في هذا القول من مبالغة حيث لم يكن عدد السكان حينذاك يتجاوز المليون، إن كان يبلغه أصلا!

إلا أن واقع الموريتانيين، ماضيا وحاضرا، قد يشفع لهذا القول وربما يوحي بصدقيته، بشكل لافت ومبهر لمن لا يعرف حقيقة المجتمع الموريتاني وخصائصه الثقافية والاجتماعية.

فأينما كنت وحيثما اتجهت يحاصرك الشعر، فصيحا أو عاميا أو كليهما معا. في الجلسات العائلية ولقاءات الأصدقاء، وخلال المساجلات والمنتديات السياسية، وحتى داخل المكاتب الحكومية والخاصة على السواء.

ولا يكاد يجتمع موريتانيان إلا والشعر ثالثهما، فان لم يكونا شاعرين أو بينهما شاعر فلا بد أن كليهما أو احدهما يحفظ من الشعر ما يجعلك تشعر وكأنك في «مربد مصغّر«.

بدءاً من امرئ القيس وشعراء العصر الجاهلي، وليس انتهاء بشعر نزار قباني أو احمد ولد عبد القادر وكابر هاشم (والأخيران من ابرز الشعراء الموريتانيين الذين ظهروا في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين). هذا فضلا عن الشعر الشعبي المنتشر، حفظا وإنتاجا، بصورة يصعب تصورها على من لم يعايشها على ارض الواقع.

ومع أني احد أبناء هذا المجتمع ومن صميم عجينته البشرية، إلا أنني بعد عقدين ونيف من الغياب شبه الكامل عن الساحة الموريتانية، تصورت أن الشعر قد فقد مكانه ومكانته في المجتمع وخاصة بين الشباب،

بفعل تغير الأنماط المعيشية من ناحية واتساع نطاق الوسائل المعرفية والترفيهية الحديثة، من تلفزيون وانترنت وغيرهما، من ناحية ثانية. غير أن ما شاهدته ولمسته خلال إجازة عمل قضيتها هناك مؤخرا، كشف خطأ تصوري ذاك وربما سذاجته!

فقد تبين أن الرباط الأزلي بين الموريتانيين والشعر أقوى وأعمق من أن تؤثر فيه تحولات الحياة وتقلبات السياسة (وانقلاباتها) أو التطور التكنولوجي ومخرجاته المتنوعة والمتسارعة. بل أكثر من ذلك فقد وجدت أن جيل الشباب الحالي أكثر اهتماما وتمسكا بالشعر مما كان عليه أبناء جيلي حين كنا في مثل سنهم الآن!

ورغم سلطانه الطاغي، إلا أن الساحة الثقافية والأجواء المعرفية العامة في موريتانيا ليست حكرا على الشعر وحده، إذ لا تخلو أي جلسة أو لقاء ممن يشدك نحو الحديث حول قضية فكرية أو فلسفية، من ديكارت وشكه المنهجي إلى سارتر وعبثيته المنظمة،

ومن ماركس ونظرياته الطوباوية إلى غورباتشوف وشفافيته المدمرة حينا، لينتقل بك حينا آخر إلى إشكالية أدبية أو نقدية تتناول الحداثة وما بعدها وتقيم حالة الأدب وأوضاع الكتاب والأدباء، من عبد الحميد الكاتب وابن المقفع إلى ادوارد سعيد ومحمد حسنين هيكل، مرورا بكتابات فوكوياما وهانتنغتون وغيرهما من الكتاب والمؤلفين العرب والأجانب في هذه القضية أو تلك، مرورا بعالم التكنولوجيا وآخر مبتكرات «ميكروسوفت» وأخواتها في هذا المجال.

وسرعان ما يتحول الحديث بك أو حولك من مسحة الرصانة الفكرية والتأني الفلسفي، إلى جدل ساخن أو معركة كلامية تبحر في متاهات السياسة ودهاليزها المظلمة، حيث تتباين الآراء وتختلف التحليلات ويتسع المطاف، من أميركا اللاتينية وميلها المتزايد نحو اليسار إلى الصين وشيوعيتها الرأسمالية أو رأسماليتها الشيوعية،

مرورا بآخر صرعات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ومكاسب اليمين المتطرف في أوروبا، إلى ما تشهده القارتان الإفريقية والآسيوية من تحولات ايجابية حينا وأزمات سياسية وصراعات وتحديات اقتصادية واجتماعية أحيانا أخرى.

أما حين يصل الحديث إلى الشأن العربي فإنه يأخذ منحى مختلفا يمتزج فيه اليأس بالغضب والإشفاق، مع أنه يظل المحور الأكثر لفتا للانتباه وإثارة للجدل والاختلاف.

وللقصة والمسرح حضورهما في الساحة كذلك، غير انه لا يزال حضورا خجولا ومحدودا جماهيريا. فرغم أن موريتانيا عرفت مجموعة من الكتاب القصصيين والروائيين، أمثال الشاعر احمد ولد عبد القادر والروائي موسى ولد أبنو وغيرهما،

كما عرفت عدة محاولات لكتابة نصوص مسرحية وتمثيلها، عبر الإذاعة الوطنية منذ السبعينات وفي مسارح بعض المدارس أو الأندية الثقافية، إلا أن نقص التشجيع الرسمي وعزوف المجتمع تقليديا عن هذا الفن، دفعا الكثيرين إلى عدم إكمال مسيرتهم المسرحية أو تقليل نشاطهم إلى حد كبير.

غير أن مجموعة من الشباب يبذلون جهودا حثيثة، وان كانت ذاتية، لدفع العمل المسرحي قدما وتوسيع الاهتمام به جماهيريا، خاصة بعد أن فتح لهم التلفزيون مجالا جديدا لبث أعمالهم وتوزيعها.

ويبقى الشعر في كل الأحوال هو «مفتاح» الدخول إلى المجتمع الموريتاني وفك شيفرته وأنجع أوراق الاعتماد للقبول فيه. ولا يضاهي حالة «التضخم الشعري» عند الموريتانيين إلا تضخم الأسعار واستفحال غلاء المعيشة الذي يبدو انه ما زال يمتلك من وسائل الرفض والتمرد ما يكفي لمواجهة الرقابة و«التغيير» حتى الآن!

عربة السياسة وحصان الاقتصاد

يمثل الولع بالسياسة حالة عامة ومتجذرة بين الموريتانيين على اختلاف مستوياتهم الثقافية والتعليمية، وهو ما يعكسه انشغالهم الدائم بمتابعة نشرات الأخبار عبر الإذاعات العالمية، وخاصة «إذاعة لندن» و«إذاعة فرنسا الدولية«،

إضافة إلى الإذاعة الموريتانية خاصة في ما يتعلق بالشأن المحلي، وذلك من خلال أجهزة الراديو المنتشرة بين العامة بمن فيهم الرعاة خلف قطعانهم وأثناء حلهم وترحالهم في أعماق البادية وبين تلال الصحراء المترامية الأطراف. وتعد مواعيد النشرات الإخبارية من «المواعيد المقدسة» القليلة التي تقترب إلى حد كبير من ترقب الموريتانيين (أو معظمهم) لمواعيد الصلاة وأوقاتها.

ومع أن التلفزيون بدأ يسحب البساط من تحت «أقدام» الراديو ويهدد رصيده الشعبي، إلا أن ضعف الشبكة الكهربائية ومحدودية انتشارها في بلد تتسع مساحته أكثر من مليون كيلومتر مربع، يبقيان الراديو متربعا على عرشه، ولو إلى حين.

غير أن هذا «العشق السياسي» يبقى في إطار «حالة شعبية» عامة تعكس في جزء غير قليل منها «الرغبة الفضولية» الكامنة لدى معظم المجتمعات البدوية، أكثر من كونها تعبر عن وعي سياسي حقيقي نابع من قناعات فكرية وأيديولوجية يمكن أن ينتج عنها فعل أو رد فعل سياسي هادف ومنظم.

ومع ذلك فقد شهدت موريتانيا طوال تاريخها الحديث وجود حركات سياسية نشطة وفاعلة، رغم ما تعرضت له من حملات القمع والملاحقة في كل فتراتها، وخاصة خلال العقدين الماضيين.

وبعد تغيير الثالث من أغسطس الماضي بدأت الساحة السياسية في موريتانيا تشهد تحولا واضحا، يصفه البعض بأنه «تاريخي ومصيري«، وفي كل الأحوال يرى الكثيرون أن هذا التحول ليس أمامه إلا احد خيارين لا ثالث لهما:

إما الانهيار الكامل للدولة وكيانها في حال الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة للتغيير، وإما ميلاد جديد لدولة تقوم على سيادة القانون وعلى «العدالة والديمقراطية» اللتين اختيرتا عنوانا لهذا التغيير.

فقد بدأت الساحة الموريتانية، مع هذا التغيير، تشهد حراكا بل تحولا سياسيا عميقا، انعكس بدوره على جوانب الحياة الأخرى، مع أن الواقع المعيشي المتردي لغالبية السكان لم يشهد تغيرا يذكر حتى حينه،

وكأن عربة السياسية المتأهبة للانطلاق ما زالت تنتظر حصان الاقتصاد المتعثر، رغم بعض الخطوات الايجابية التي اتخذت في هذا الاتجاه خلال الشهور الماضية، مثل زيادة الرواتب وتخفيض الرسوم الجمركية على بعض المواد الأساسية.

وبغض النظر عن ماهية الأسباب الحقيقية وراء البطء الملحوظ في تحسن الوضع الاقتصادي العام، وما إذا كانت أسبابا موضوعية تعود لقصر الفترة المنقضية منذ أغسطس والتحديات الكبيرة التي تواجه التغيير محليا وخارجيا،

أو لأسباب ذاتية نتيجة بقاء الإدارات التنفيذية بمختلف مستوياتها على ما كانت عليه في العهد السابق وعدم التخلص من العقليات السلبية التي تجذرت على مدى عقدين كاملين من الزمن، إلا ان الحالة العامة تشير إلى ارتياح واضح بين السكان ومعنويات عالية يملؤها التفاؤل بالمستقبل،

رغم الحذر وبعض الشكوك التي تسمعها بين الحين والآخر من هذا الطرف أو ذاك، حول إمكانية تحقيق الوعود والالتزامات التي قطعها على نفسه «المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية» الحاكم والحكومة الانتقالية المنبثقة عنه، ربما قياسا على سوابق الماضي وتجاربه أكثر منه اعتمادا على حقائق ووقائع ملموسة حتى الآن.

فمنذ مجيئه إلى السلطة بعد إسقاط نظام الرئيس السابق، بادر المجلس العسكري إلى اتخاذ خطوات وقرارات ساهمت في انفراج الوضع وتخفيف الاحتقان الذي أدى إلى عدة محاولات انقلابية في السابق. فقد اصدر المجلس في الأيام الأولى لتوليه السلطة مرسوما يحظر بموجبه على رئيسه وأعضائه وكذلك على رئيس الحكومة والوزراء الترشح لأي منصب انتخابي خلال الفترة الانتقالية،

كما أعلن عبر بيانات عديدة وعلى لسان رئيس المجلس والدولة نفسه، العقيد علي ولد محمد فال، أن الدولة لن تساند أي حزب أو مرشح في الانتخابات المقبلة، وان دور المجلس والحكومة في المرحلة الانتقالية سيكون حياديا تجاه جميع الأطراف السياسية،

وسيقتصر على الإشراف الإداري وتوفير الإمكانات والشروط اللازمة لتسهيل العمليات الانتخابية المقررة اعتبارا من نوفمبر المقبل (بالنسبة للمجالس البلدية والبرلمان) وحتى الانتخابات الرئاسية في مارس 2007، والعمل على إجرائها «بشفافية ونزاهة«.

كما اصدر المجلس قرارا بالعفو الشامل عن جميع المعتقلين والملاحقين لأسباب سياسية، من المدنيين والعسكريين.واتبع المجلس هذه المراسيم والقرارات بعقد لقاءات تشاورية لعدة أيام شملت جميع الأحزاب والفعاليات السياسية وقوى المجتمع المدني.

وأسفرت هذه «الأيام التشاورية» عن توافق وطني عام غير مسبوق في تاريخ الدولة الموريتانية، وأعقب ذلك تشكيل «اللجنة العليا المستقلة للانتخابات«، والتي جرى التشاور والتنسيق حولها كذلك بين الحكومة وجميع الأطراف السياسية في البلاد كما تم التوافق حول أعضائها،

وأسندت رئاستها إلى الضابط المتقاعد والدبلوماسي السابق الشيخ سيد احمد ولد بابامين، الذي عمل سفيرا لموريتانيا في العديد من الدول كان آخرها دولة الإمارات العربية المتحدة.

الوضعية الاقتصادية

لكن كل هذه الجهود والقرارات وما أحدثته من أجواء ايجابية وارتياح عام، لا تقلل من عمق وحجم التحديات الكثيرة والكبيرة التي تواجه المجلس العسكري والحكومة الانتقالية، والتي يبدو أن الملف الاقتصادي هو أكثرها صعوبة وأشدها إلحاحا في الوقت ذاته.

ففي بلد تتزايد معدلات الفقر والبطالة فيه بنسب قياسية، مع تعدد الثروات وقلة عدد السكان (ثلاثة ملايين نسمة)، من الطبيعي أن يكون الإصلاح الاقتصادي والإداري ومحاربة الفساد والهدر المالي والتضخم المتفاقم، على رأس أولويات أي تغيير حقيقي يستهدف المصالح الوطنية ويسعى لتحسين الظروف المعيشية للسكان وإشراكهم في ثروة البلاد ومواردها الطبيعية.

ويبدو أن السلطات الحالية في موريتانيا تدرك كل هذه الحقائق، كما توضح ذلك وتؤكده البيانات والتصريحات الصادرة عن رأس الدولة أو عن الوزير الأول والوزراء المعنيين بالشأن الاقتصادي. بل إن تردي الوضع الاقتصادي الذي كان موشكا على الانهيار، قُدم على انه احد الأسباب الرئيسية لتغيير الثالث من أغسطس.

والحقيقة أن مظاهر الهشاشة والترهل التي يعاني منها الاقتصاد الموريتاني واضحة وعميقة، حيث يبدو وكأن البلاد لم تستطع حتى الآن تجاوز «المرحلة الانتقالية الكبرى» بين البداوة والتمدن التي دخلتها قبل ثلاثين عاما وأكثر!

بل إن الوضع ـ في بعض جوانبه على الأقل ـ يبدو اليوم أكثر سوءا،

حيث ان معظم المشاريع التي أنجزت أو كانت قيد الانجاز في منتصف السبعينات قد أصابها «الأكل» والتآكل، بسبب الفساد وسوء التسيير من ناحية، وبسبب التقادم وانعدام الصيانة والتحديث من ناحية أخرى.

وهذا ما يضع «المرحلة الانتقالية» الحالية أمام صعوبات وتحديات حقيقية في مواجهة وضع اقتصادي يكاد يكون بادئا من الصفر، بعدما أنهكته عقود من استشراء الفساد ونهب ثروات البلاد.

ويعول الموريتانيون كثيرا في هذه المرحلة على جذب الاستثمارات الخارجية، وخاصة العربية، للمساهمة في الخروج من هذا الوضع. كما تعمل الحكومة على تفعيل واستكمال البنية القانونية للاستثمار، ومنح المزيد من التسهيلات الضرورية لتشجيع المستثمرين وتعزيز العلاقات مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والشركاء الراغبين للاستثمار في موريتانيا،

علما أن مجالات الاستثمار هناك واسعة ومتعددة، حيث ان قطاعات كثيرة ما زالت بكرا «لم يطمثها» أي مستثمر محلي أو خارجي، كقطاع السياحة وبعض القطاعات الخدمية، أما بقية القطاعات فتعاني من نقص حاد وتهالك، مثل الاتصالات والمواصلات والنقل والطرق …الخ، فضلا عن قطاعي النفط والصيد البحري، وهما أهم الثروات الطبيعية في البلاد وأكثرها حاجة للتطوير والاستثمار.

ولعل من ابرز الخطوات على الصعيد الاقتصادي الموقف الذي اتخذته الدولة من الملاحق السرية لاتفاقية تقاسم الإنتاج بين موريتانيا وشركة «وود سايد» النفطية الاسترالية، حيث وصف رئيس الدولة تلك الملاحق بأنها «أعدت في الظلام» واعتبرتها الحكومة باطلة ومخالفة للعقد الأساسي بين الطرفين.

وقد أدت تفاعلات هذه القضية إلى اعتقال وزير النفط في آخر حكومة للرئيس السابق واتهامه بالإضرار بالمصالح الوطنية وتزوير مستندات رسمية، كما تم استجواب عدد من كبار المسؤولين السابقين من بينهم رئيس الوزراء وبعض نواب البرلمان المنحل.

وما زالت توابع هذه الهزة المالية والسياسية تتفاعل في الساحة الموريتانية، ويخشى بعض المحللين من أن تؤثر على المسار الاقتصادي للمرحلة الانتقالية التي دخلت سنتها الأخيرة في مارس الجاري، وأن تؤدي إلى مزيد من البطء في الإجراءات التصحيحية على الصعيد الاقتصادي خاصة، وربما على الوضع الداخلي بشكل عام.

أما على الصعيد الخارجي فقد أولت القيادة الموريتانية الجديدة منذ وصولها إلى السلطة اهتماما واضحا بعلاقات البلاد الإقليمية والدولية بعد أن تضررت كثيرا خلال الفترة الماضية وأوصلت البلاد إلى ما يشبه العزلة الكاملة، وأدخلتها في نزاعات وصراعات غير محسوبة وأحيانا غير مبررة مع معظم دول الجوار وأغلب الشركاء والأصدقاء على الساحة الدولية.

وخلال الأشهر الماضية قام رئيس المجلس العسكري والدولة العقيد علي ولد محمد فال بزيارة كل الدول الإفريقية المجاورة وجميع الدول المغاربية الأخرى الأعضاء في اتحاد المغرب العربي،

كما زار كلا من المملكة العربية السعودية وقطر والكويت، والتقى الرئيس الإيراني أثناء القمة الإسلامية الأخيرة في مكة المكرمة رغم أن العلاقات الدبلوماسية بين موريتانيا وإيران مقطوعة منذ نحو اثني عشر عاما.

وبالإضافة إلى ذلك أرسل العقيد علي ولد محمد فال العديد من المبعوثين الرسميين إلى معظم الدول العربية والإفريقية الأخرى التي لم يزرها، وكذلك إلى العديد من عواصم العالم المختلفة.

وخلال هذه الفترة كذلك زار موريتانيا رؤساء خمس دول افريقية ورئيسا وزراء كل من تونس والجزائر، والعديد من قادة المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية والكثير من الوفود العربية والأجنبية الأخرى.

هذا التحرك النشط على صعيد العلاقات الخارجية وغير المسبوق منذ فترة طويلة، مع ما رافقه من خطوات وقرارات على المستوى الداخلي، كل ذلك خلق أجواء ايجابية عززت التوافق الوطني وأعطت مزيدا من المصداقية لتوجهات المرحلة الانتقالية وجدية العمل على تحقيق أهدافها المعلنة.

لكن السؤال الأهم، ماذا بعد هذه المرحلة؟ وما الذي يمكن أن تسفر عنه الانتخابات الرئاسية المقررة في نهايتها إذا سارت الأمور وفق ما هو مخطط لها؟!

سؤال طرحته كثيرا وسمعته أكثر، لكن الإجابة عليه تبدو سابقة لأوانها ولا أحد يدعي القدرة عليها بشكل جازم في الظرف الراهن.

خريطة ملتبسة

على الرغم من أن اسم السياسي المعروف احمد ولد داداه، المعارض الأبرز للرئيس السابق ولد الطايع، هو الأكثر تداولا في الأوساط السياسية والشعبية، إلا أن المراقبين والمحللين الموريتانيين يجمعون على أن الخريطة السياسية للبلاد ما زالت في حالة التباس وتشكل بعد الثالث من أغسطس، وأنها تشهد تحولات واسعة وعميقة يصعب التنبؤ بمآلاتها وقد تنقلب رأسا على عقب.

فالسياسة في موريتانيا ما زالت تحكمها اعتبارات وعوامل عديدة ومتنوعة، تحتل فيها الولاءات القبلية والجهوية موقعا متقدما، كما يلعب العامل الشخصي دورا محوريا، خاصة في غياب برامج سياسية واضحة ومفصلة للأحزاب والمرشحين المعلنين أو المحتملين، إضافة إلى انحسار أو اختفاء الحركات الأيديولوجية وتآكل رصيدها الشعبي إلى حد لم يعد لها فيه وجود ملموس في الشارع السياسي.

ورغم أن في موريتانيا حاليا نحو أربعين حزبا مرخصا، إلا أن عددا غير قليل من هذه «الأحزاب» لا يتمتع بمصداقية في الشارع الموريتاني، والبعض يسميها «أحزاب الشنطة» باعتبار أنها ليست أكثر من «شنطة» يحملها شخص واحد، هو رئيس الحزب وقاعدته الشعبية في الوقت ذاته!

كما أن بعض الأحزاب الأكثر جدية ومصداقية، تشهد في الوقت الراهن حالات من الانقسام تارة والاندماج تارة أخرى، إضافة إلى أن القواعد الشعبية ما زالت تختزن في ذاكرتها بعض تجارب السنوات الماضية وما شهدته من تدخل السلطات بشكل سافر وقسري لتغيير توجهات الناخبين والتلاعب بنتائج الانتخابات،

وهو ما يجعل هذه القواعد تنظر إلى العملية السياسية إجمالا بعين الريبة والشك حتى الآن، كما أن ظهور مرشحين مستقلين للانتخابات المقبلة قد يؤثر في مزاج الناخبين وخياراتهم، على حساب الأحزاب والمرشحين الحزبيين.

والرأي الغالب لدى المحللين أن الانتخابات البلدية والتشريعية المقررة في نوفمبر المقبل، ستكون هي المحك والمفصل الحاسم في رسم الخريطة السياسية للبلاد وفرز القوى الحقيقية القادرة على تقديم مرشح رئاسي يحظى بالقبول ويتمتع بالمصداقية لدى الرأي العام المحلي الذي يعتبرونه المحدد الأساسي لهذه المرحلة.

ومع أن البعد الخارجي لا يمكن إغفاله أو التقليل منه بأي حال، إلا أن معظم المراقبين لا يتوقعون أي «تدخل مسبق» من جانب القوى الخارجية المهتمة بالشأن الموريتاني والتي تراقبه عن كثب وتتابعه بعناية كبيرة،

ويرى هؤلاء المراقبون أن القوى الخارجية تفضل انتظار النتائج والضغط المباشر على من يتولى السلطة مستقبلا، ما لم تجد أن هناك ما يهدد مصالحها ونفوذها بشكل جدي يستدعي «التدخل السريع» قبل انتهاء المرحلة الانتقالية وظهور نتائج الانتخابات الرئاسية المنتظرة.

وبصفة عامة، يمكن ملاحظة أن هناك ميلا واضحا لدى قطاعات واسعة من الشعب الموريتاني وقواه السياسية، لاختيار قيادة وسطية للبلاد، تجمع بين البراغماتية والتزام الثوابت الوطنية من ناحية، وبين الليبرالية السياسية ومراعاة البعد الاجتماعي في السياسات الاقتصادية من ناحية أخرى.

وهذه المواصفات مجتمعة ليس من السهل العثور عليها في معظم الأسماء المطروحة، علانية أو تسريبا، للمنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهذا مما يعزز رأي القائلين بأن الساحة السياسية في موريتانيا مرشحة لتقلبات، وربما انقلابات، عديدة خلال الشهور القليلة المقبلة.

وفي هذه الأجواء المتقلبة والمشحونة بتباين الآراء والمواقف السياسية، يبقى الشاي أو «الأتاي» كما يطلق عليه في اللهجة الحسانية الدارجة، هو القاسم المشترك ومحل الإجماع، ربما الوحيد، و«الحرم» الذي تؤوي جلساته كل الأطراف والفرقاء وتختمر على وقع كؤوسه آراء الجميع وأفكارهم، دون تفرقة أو تمييز.

المعشوق «الأخضر»

تعود علاقة الموريتانيين بالشاي الأخضر إلى نحو مئة عام مضت، أي منذ بدايات القرن العشرين. وقد كان استعماله مقصورا في البداية على فئة محدودة من التجار ووجوه المجتمع، ولم يكن موضع ترحيب أو قبول من بعض الفقهاء الذين رأوا فيه نوعا من الترف غير المستحب،

مما احدث جدلا فقهيا وأدبيا واسعا، ككل جديد يفد إلى هذا المجتمع المحافظ بطبيعته والمتحفظ على كل ما لم يعهده من قبل، رغم ميله الطبيعي كذلك إلى العفوية والانطلاق دون حدود أو قيود.وكان من نتيجة هذا الجدل الذي استمر سنوات عديدة، ظهور ما عرف بعد ذلك ب«أدبيات الشاي»، شعرا ونثرا.

فقد ألف البعض نصوصا نثرية على شكل مقامات ونحوها، تتحدث عن آداب الشاي وأخلاقياته وطرق إعداده ومكوناته، من شاي وسكر ونعناع ومواعين، وما يجب أن يكون عليه سلوك الشخص الذي يعده وسلوك جلسائه تجاهه أو تجاه من ينضم إليهم مستضيفا أو متطفلا.

أما الشعر فقد تشكل منه ديوان ضخم حول الشاي، يتغنى به وبفوائده حينا وينتقد الطفيليين المتنقلين بحثا عنه من بيت إلى بيت حينا آخر، وقد يشكو ندرته وشحه أو قلة ندمائه من الظرفاء والأدباء أحيانا أخرى.

ومن أشهر ما قيل في الشاي شعرا أبيات للعلامة الكبير الشيخ سيديّ بابا المتوفى سنة 1924، وهو من أشهر العلماء الأعلام في البلاد، يقول فيها:

يقيم لنا مولاي والليل مقمر

وأضواء مصباح الزجاجة تزهر

وقد نَسمت ريح الشمال على الربى

نسيماً بأذيال الدجى يتعثر

كؤوسا من الشاي الشهي شهية

يطيب بها ليل التمام فيقصر

وفي البيت التالي لهذه الأبيات ما يشير إلى أن مكونات «الأتاي» في موريتانيا كانت تستورد حينذاك من المغرب والجزائر بشكل أساسي، حيث يقول:

تُخيّر من تجار طنجة شايها

وخِير لها من «تلج» وهران سكر

وطنجة هي المدينة السياحية المغربية المشهورة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، أما مدينة وهران فهي من اكبر المدن وأعرقها في الجزائر، و«التلج» علامة تجارية لنوع من السكر يصنع على شكل قوالب أسطوانية،

وكان معروفا ومنتشرا في موريتانيا إلى عهد غير بعيد. ولعل كلمة «تلج» تحريف لكلمة «ثلج» أو هي في الأصل مشتقة منها للتشابه بين لون السكر ولون الثلوج.وفي آخر الأبيات يشير العلامة الشيخ سيديّ إلى بعض فوائد الشاي ومحامده بقوله:

يُعِين على الخيرات من بات قانتا

ويُسعد في الأسمار من بات يَسمر

ومع مرور الوقت وتطور أساليب التجارة وتعدد وسائلها وطرقها قياسا إلى الماضي، لم يعد «الأتاي» حكرا على فئة دون أخرى ولا مجرد عادة يومية في مواقيت وفترات معينة، بل أصبح جزءا أساسيا من حياة الموريتانيين طوال ساعات النهار ومعظم ساعات الليل،

كما تطورت أساليب تحضير «الأتاي» وطرق إعداده أو «إقامته» وتحول إلى ما يمكن اعتباره حرفة أو مهنة مستقلة بذاتها وبخصائصها وطقوسها التي لا يحسنها إلا من تدرب عليها واكتسب فيها خبرة ومهارة تؤهله لإقامة «الأتاي» و«إدارة» مستلزماته،

من مواعين مزخرفة بعناية ونعناع طازج وتفرغ كامل أثناء فترة الإعداد التي لا تقل عن ساعة في المتوسط وقد تمتد ساعتين أو أكثر، حسب رغبة الجلساء ومدى استعدادهم للبقاء أطول فترة ممكنة.

الصحافة الموريتانية

لا تكتمل صورة المجتمع الموريتاني وما يحدث فيه من حراك وتطورات دون إطلالة، ولو مجتزأة، على الصحافة هناك وحال الإعلام عموما، وما يعانيه العاملون في هذا القطاع من مشاكل وتحديات ونقص حاد في الوسائل والإمكانات وفي الخبرات المهنية التي لم تأخذ وقتها الكافي بعد لتختمر وتكتمل.

فالصحافة المكتوبة في موريتانيا، من حيث العمر الزمني، لا تزال بين الطفولة والمراهقة إذ لا يتجاوز عمرها ما بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة، باستثناء صحيفة «الشعب» الحكومية التي ظلت عقودا من الزمن تحتكر الساحة الصحفية وحيدة، كما هو حال «الإذاعة الوطنية» والتلفزة الموريتانية اللتين ما زالتا وحيدتين في ساحة الإعلام المسموع والمرئي حتى الآن.

وقد تعرضت الصحافة الموريتانية المستقلة أو شبه المستقلة، خلال السنوات الماضية من عمرها القصير، للكثير من التضييق والمصادرة والإغلاق من قبل السلطات في العهد السابق، كلما أظهرت رأيا مختلفا أو أبدت وجهة نظر لا تعجب السلطة، وأحيانا لمجرد الضغط أو الترهيب.

ورغم ضعف الإمكانات التقنية والمادية، وحجم الضغوط الهائلة أمنيا واقتصاديا، فقد ظل معظم الصحافيين الموريتانيين طوال الفترة الماضية متمسكين بمواقفهم، أوفياء لمبادئ مهنتهم، مهنة المتاعب والبحث عن الحقيقة.

ومع ذلك، يبدو أن الصحافة المكتوبة في موريتانيا لم تستفق كليا بعد من تأثير صدمة «المفاجأة السارة«، كما يصفها البعض، بسقوط الحكم السابق. فقد كان الجميع يدرك حتمية التغيير، لكن لم يتوقع احد حدوثه في هذا التوقيت وبهذا الأسلوب السلمي السلس وفق تخطيط محكم ودقة كبيرة، كما ظهر من تسلسل الوقائع والأحداث في الأيام الأولى للتغيير وما تلاها.

وتتجلى آثار هذه «الصدمة» في استمرار الرغبة الجامحة في التحدي أحيانا، وفي بقاء قدر محسوس من سلطة «الرقيب الذاتي» أحيانا أخرى. ورغم ذلك فقد فتح تغيير الثالث من أغسطس آفاقا واسعة وجديدة أمام الصحافة الموريتانية ووسائل الإعلام عموما، بما في ذلك الإعلام الحكومي الرسمي،

كما أتاح فرصة فريدة لتأخذ الصحافة دورا أكثر فاعلية وتأثيرا في الساحة الوطنية، وهو ما بدأ يتضح فعلا من خلال طرح العديد من القضايا المتنوعة ومناقشتها بصراحة وجرأة واضحتين وبقدر كبير من الموضوعية، وان كانت لا تخلو من الذاتية في بعض المواقف.

كما تمثل هذا الانفتاح في ظهور صحف جديدة وعودة صحف أخرى إلى الانتظام في الصدور بعد أن أجبرتها السلطات السابقة على التوقف الكلي أو الاختفاء بين فترة وأخرى.

ويشكو العاملون في الصحافة وفي الحقل الإعلامي عموما، من كثرة الدخلاء على المهنة وضعف الإمكانات الفنية والتكنولوجية وحداثة التجربة بالنسبة لمعظم العاملين في هذا المجال.

فأغلب هذه الصحف، إن لم تكن كلها، تعتمد في طباعتها على مطبعة واحدة هي «المطبعة الوطنية» التابعة للدولة والتي تعطي الأولوية لصحيفة «الشعب» الرسمية، بنسختيها العربية والفرنسية، مما يعرض الصحف الأخرى أو بعضها في كثير من الأحيان لتأخير الطباعة إلى ما بعد ظهر يوم الصدور!

ورغم كل هذه المصاعب والتحديات، فقد بدأت الصحافة المحلية تأخذ دورها وتؤصل تأثيرها، وأصبحت ميدانا رئيسيا للنقاشات السياسية الدائرة حاليا في موريتانيا، وساحة رحبة لعرض وإثارة القضايا الثقافية والاجتماعية المرتبطة بحياة الناس وهمومهم.

كما أن الإعلام الرسمي، متمثلا في الإذاعة والتلفزيون وصحيفة «الشعب«، بدأ ينخرط في هذا التحول الجديد، من خلال العمل على تطوير أساليبه وتنويع برامجه والتحرر تدريجيا من بعض السلبيات والقيود التي كبلته طويلا وشلت فاعليته وقضت على مصداقيته إلى حد كبير.

فقد أصبح مألوفا الآن أن ترى وزيرا أو أي مسؤول حكومي آخر وهو محاط بعدد من الصحفيين في ما يشبه جلسة استجواب، يشارك فيها بعض الجمهور حضورا أو عبر الهاتف، يسألونه ويحاورونه حول قضية معينة أو شأن عام، في الإذاعة ومن خلال التلفزيون وفي بث مباشر أحيانا!

والخلاصة أن الأوضاع العامة في موريتانيا، كما تبدو في حالتها الراهنة، ما زالت في مرحلة «العناية المركزة»، إلا أن كل المعطيات والمؤشرات تدل على أن «صحتها» في تحسن مستمر وأن البلاد أمام مستقبل واعد، إذا استمر النهج الحالي وتسارعت خطاه أكثر،

وإذا أحسن الناخبون اختيار من سيقودهم للسنوات المقبلة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية الحالية.ويبقى الأمل هو سيد الساحة في هذه المرحلة، وهذا في حد ذاته مكسب يحسب لها.. لكن العبرة بالنتائج والأمور بخواتيمها.

 

المصدر : صحيفة البيان





كلمة رئيس الحزب في حفل اختتام الحوار الوطني الشامل 2016



راديو



حزب الاتحاد من أجل الجمهورية © جميع الحقوق محفوظـة 2017